عمران سميح نزال
226
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
منهن من يشاء ، وذلك أنه لم يحصر معنى الإرجاء والإيواء على المنكوحات اللواتي كنّ في حباله ، عندما نزلت هذه الآية دون غيرهن ممن يستحدث إيواؤها أو إرجاؤها منهن ، وإذا كان ذلك كذلك ، فمعنى الكلام : تؤخر من تشاء ممن وهبت نفسها لك ، وأحللت لك نكاحها ، فلا تقبلها ولا تنكحها ، أو ممن هنّ في حبالك ، فلا تقربها ، وتضمّ إليك من تشأ ممن وهبت نفسها لك ، أو أردت من النساء التي أحللت لك نكاحهن ، فتقبلها وتنكحها ، وممن هي في حبالك فتجامعها إذا شئت ، وتتركها إذا شئت بغير قسم ) « 1 » . قال القرطبي : ( وقيل : كان القسم واجبا على النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم نسخ الوجوب عنه بهذه الآية . . . ذهب هبة اللّه في الناسخ والمنسوخ إلى أن قوله : تُرْجِي مَنْ تَشاءُ الآية ، ناسخ لقوله : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [ الأحزاب : 52 ] الآية . وقال : ليس في كتاب اللّه ناسخ تقدم المنسوخ سوى هذا . وكلامه يضعف من جهات . وفي البقرة عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشر ، وهو ناسخ للحول وقد تقدم عليه ) « 2 » . ونقول : إن ادعاء النسخ بأن هذه الآية ناسخة للآية التالية من نفس السورة ، إن هذا الادعاء لا يصح ، والناسخ غير لازم ، بحكم المناسبة التنزيلية أولا وبحكم الوحدة التاريخية ثانيا ، وبحكم المناسبة الموضوعية ثالثا ، فهي قبلها في التنزيل ولم يصح ولم يثبت في القرآن الكريم كله أن آية متقدّمة في ترتيلها وسياقها في السورة نسخت آية متأخرة عنها في ترتيبها وسياقها من نفس السورة إطلاقا ، فلا يقع النسخ من المتقدم على المتأخر ، لا في هذه السورة ولا في غيرها من القرآن الكريم وقد بيّنا ذلك في كتابنا « علم تاريخ نزول آيات القرآن الكريم وسوره » فيما يخصّ آيات سورة البقرة وغيرها « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير الطبري ، م 12 / ج 22 / ص 33 . ( 2 ) القرطبي : الجامع لأحكام القرآن م 7 / ج 14 / 194 . ( 3 ) انظر : فصل الناسخ والمنسوخ 132 ، وفصل علم المناسبة 139 .